محمد بن الطيب الباقلاني

202

الإنتصار للقرآن

وإذا كان ذلك كذلك وجب حمل قراءة عبد الرحمن على عبد اللّه على هذا التأويل ، مع أنّ عبد اللّه بن عباس قد صرّح بهذا المعنى عن نفسه ، في خبر آخر ورد من هذا الطريق ، فروى معمر عن الزّهريّ عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عن ابن عباس أنّ عبد الرحمن بن عوف رجع إلى منزله بمنى ، قال ابن عباس : « وكنت أقارئ رجلا من المهاجرين ، فكان عبد الرحمن ممن أقارئ ، فوجدني عبد الرحمن بن عوف في منزله أنتظره في آخر حجّة حجّها عمر » ، فقد صرّح عبد اللّه بأنّه كان يقارئ الصحابة ، والرجل لا يقارئ إلا الحفظة ، ولا يقارئ من لا يحفظ أو من هو دونه ، فوجب حمل الخبر على ما قلناه ، على أنّ اختلاف عبد اللّه إلى عبد الرحمن إلى منزله وانتظاره له يدلّ على أنّه كان يقصده ليتعلّم القرآن منه ويذاكره به ، لأنّ العادة لم تجر بقصد الملقّن إلى المتعلّم وانتظاره إلا عادة الأجراء والمتكسّبين بإقراء القرآن ، والصحابة أجلّ قدرا من أن ينسب أحد منهم إلى ذلك ، فإذا كان هذا هكذا سقط ما ظنّه السائل . ومما يدلّ أيضا على تعظيم منزلة عبد الرحمن وشدّة تقدّمه ، وأنّه كان من المشهورين بحفظ القرآن ومن أقرأ الناس وأكثرهم قرآنا ما رواه الناس من تقدّم عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه للصّلاة بالناس وصلاة النبيّ [ 109 ] صلى اللّه عليه / خلفه ، وذلك من المشهور المدوّن في كتب فقهاء الأمصار . وقد روى عروة بن المغيرة « 1 » عن المغيرة بن شعبة « 2 » أنه غزا مع رسول

--> ( 1 ) ابن شعبة الثقفي ، أبو يعفور الكوفي ، ثقة من الثالثة ، مات بعد التسعين ، تولّى الكوفة زمن الحجاج سنة 75 ه - ، روى عن أبيه وعائشة . « الكاشف » ( 2 : 230 ) . ( 2 ) ابن مسعود بن معتّب الثقفي ، صحابيّ مشهور ، أسلم قبل الحديبية ، وولي إمارة البصرة ثم الكوفة ، مات سنة خمسين . « التقريب » ( 2 : 206 ) .